ابن عربي
67
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
( 20 ) سورة طه مكيّة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذه السورة أشرف سورة في القرآن في العالم السعيد ، فإنها السورة التي يقرؤها الحق تعالى في الجنة على عباده بلا واسطة ، فإذا تلا الحق على أهل السعادة من الخلق سورة طه تلاها عليهم كلاما ، وتجلى لهم فيها عند تلاوته صورة ، فيشهدون ويسمعون ، فكل شخص حفظها من الأمة يتحلى بها هنالك كما تحلى بها في الدنيا بالحاء المهملة ، فإذا ظهروا بها في وقت تجلي الحق بها وتلاوته إياها تشابهت الصور ، فلم يعرف المتلو عليهم الحق من الخلق إلا بالتلاوة ، فإنهم صامتون منصتون لتلاوته ، ولا يكون في الصف الأول بين يدي الحق في مجلس التلاوة إلا هؤلاء الذين أشبهوه في الصورة القرآنية الطاهيّة ، ولا يتميزون عنه إلا بالإنصات خاصة ، فلا يمر على أهل النظر ساعة أعظم في اللذة منها ، فمن استظهر القرآن هنا بجميع رواياته حفظا وعلما وعملا فقد فاز بما أنزل اللّه له القرآن ، وصحت له الإمامة ، وكان على الصورة الإلهية الجامعة ، فمن استعمله القرآن هنا استعمل القرآن هناك ، ومن تركه هنا تركه هناك . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 1 إلى 5 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طه ( 1 ) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 3 ) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى ( 4 ) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ بحث الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ] المسألة الأولى - بحث عام في الألفاظ التي تعطي التشبيه والتجسيم - المحقق الواقف العارف بما تقتضيه الحضرة الإلهية من التقديس والتنزيه ونفي المماثلة ، لا يحجبه ما نطقت به الآيات والأخبار في حق الحق تعالى ، من أدوات التقييد بالزمان والجهة والمكان وما أشبه ذلك من الأدوات اللفظية ، وقد تقرر بالبرهان العقلي خلقه الأزمان والأمكنة والجهات والألفاظ والحروف والأدوات والمتكلم بها والمخاطبين من المحدثات ، كل ذلك خلق اللّه